ترسم الباحثة ماكدا غيرما في هذا التحليل صورةً معقدة لنظام أمني اقتصادي متصل يمتد من سواحل البحر الأحمر مرورًا بالسودان وصولًا إلى منطقة الساحل، حيث تتشابك النزاعات وتذوب الحدود التقليدية بين الأقاليم. وتؤكد في البداية أن هذا المحور لم يعد مجرد تصور نظري، بل واقعًا ميدانيًا تعززه الحرب السودانية المستمرة، التي تحولت إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تربط بين أزمات كانت تُدار سابقًا بشكل منفصل.


ويعرض المقال، كما تنشره هورن ريفيو، كيف دفعت التدفقات غير المشروعة للذهب، وتهريب السلاح، وانتشار الشبكات المرتزقة، إلى خلق اقتصاد حرب متكامل يغذي نفسه بنفسه، بينما تستغله قوى خارجية لتعزيز نفوذها. ويدفع هذا الواقع ملايين المدنيين إلى النزوح، ما يفاقم واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في أفريقيا الحديثة.


تآكل الحدود وصعود اقتصاد الحرب


يكشف التحليل أن الفصل التقليدي بين القرن الأفريقي والساحل لم يعد يعكس الواقع، حيث تتعامل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب مع المنطقة كمسار واحد ممتد. ويغذي الذهب المستخرج من دارفور وكردفان الصراعات عبر الحدود، إذ تنقل شبكات التهريب هذه الموارد عبر تشاد والنيجر مقابل السلاح والتمويل.


وتعتمد هذه العمليات على شبكات تجارية قديمة أعادت توظيف نفسها لخدمة النزاع، فتتحول القوافل والطرق الصحراوية إلى شرايين حياة لاقتصاد الحرب. وفي المقابل، تتحرك الأسلحة والمقاتلون في الاتجاه المعاكس، ما يخلق دائرة مغلقة من العنف المستمر.


ويبرز شمال تشاد كنقطة محورية تربط بين ليبيا والسودان والساحل، حيث تعيد الميليشيات توزيع الموارد وتسهّل حركة المقاتلين، بينما تساهم التغيرات المناخية وندرة الموارد في زيادة التوترات، ما يوسع قاعدة التجنيد للجماعات المسلحة.


السودان كنقطة ارتكاز إقليمية


يضع التحليل السودان في قلب هذا النظام المتشابك، إذ يمنحه موقعه الجغرافي دورًا حاسمًا في ربط البحر الأحمر بالساحل. ويحوّل الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع البلاد إلى ممر مفتوح ينقل عدم الاستقرار غربًا ويستقبل الدعم الخارجي شرقًا.


ويهدد هذا الوضع أمن البحر الأحمر مباشرة، خاصة مع أهمية بورتسودان كمركز حيوي للتجارة والمساعدات. كما يفاقم التوترات مع إثيوبيا، حيث ترفع تحركات الجماعات المسلحة خطر اندلاع صراعات أوسع قد تمتد عبر الإقليم.


وعلى الجبهة الغربية، يدفع تدفق اللاجئين إلى تشاد نحو ضغوط غير مسبوقة، ما يهدد استقرارها الداخلي. ويحذر التحليل من أن انهيار تشاد قد يفتح المجال أمام امتداد الفوضى عبر كامل المنطقة، من الأطلسي إلى المحيط الهندي.


صراع القوى الكبرى وفشل الاستجابات الدولية


يبرز المقال دور القوى الخارجية في تعقيد المشهد، حيث تستخدم روسيا، عبر شبكاتها الأمنية، الموارد الطبيعية مثل الذهب لتعزيز وجودها العسكري والاقتصادي. وتسعى موسكو إلى توسيع نفوذها البحري في البحر الأحمر، ما يضعها في مواجهة غير مباشرة مع الغرب.


وفي الوقت نفسه، تغذي التنافسات الخليجية الصراع، إذ تدعم أطراف مختلفة داخل السودان، ما يعطل فرص الحل السياسي. ويؤدي هذا التنافس إلى إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.


أما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيتبنيان سياسات منفصلة بين الساحل والقرن الأفريقي، ما يخلق فجوات في الاستجابة ويجعل التدخلات أقل فاعلية. ويؤدي هذا التشتت إلى ترك المجال مفتوحًا أمام القوى المنافسة لتعزيز نفوذها.


نحو استراتيجية متكاملة لاحتواء الأزمة


يدعو التحليل إلى إعادة التفكير في إدارة الأزمات عبر هذا المحور بوصفه نظامًا واحدًا، وليس مناطق منفصلة. ويقترح تعيين مبعوثين دوليين بمهام عابرة للأقاليم، وتنسيق الجهود بين المؤسسات الدولية والإقليمية لاحتواء التصعيد.


كما يشدد على ضرورة استهداف اقتصاد الحرب نفسه، عبر فرض عقوبات على شبكات تهريب الذهب، وتعزيز الرقابة على الحدود، وتجفيف مصادر التمويل التي تغذي النزاع. ويرى أن دعم تشاد اقتصاديًا وأمنيًا يمثل خطوة حاسمة لمنع امتداد الأزمة.


ويحذر التحليل من أن تجاهل هذا الترابط سيؤدي إلى تفاقم الصراع وتحوله إلى أزمة عابرة للقارات، تؤثر على التجارة العالمية وأمن الطاقة والهجرة. وفي المقابل، يفتح التحرك المنسق فرصة لاحتواء الأزمة وبناء استقرار مستدام.


يؤكد المقال أن الخيار واضح: إما تبني حلول متكاملة تعالج جذور الأزمة، أو مواجهة تداعيات انهيار إقليمي واسع النطاق. ويرى أن فهم هذا المحور ككيان واحد يمثل الخطوة الأولى نحو تفكيك دوامة الصراع وبناء مستقبل أكثر استقرارًا للقارة الأفريقية.

 

https://hornreview.org/2026/04/10/the-red-sea-sahel-axis-managing-africas-new-transcontinental-security-spine/